غزة / معتز شاهين:
في وقت تتجه فيه أنظار العالم إلى أزمات إقليمية متسارعة، يعود ملف غزة مجددًا إلى دائرة التباطؤ والانتظار، حيث تشهد المحادثات المتعلقة بتثبيت وقف إطلاق النار حراكًا سياسيًا محدودًا، وسط استمرار الخروقات الإسرائيلية وتصاعد المخاوف من تقويض الهدنة الهشة.
ويؤكد محللون سياسيون أن هذا التباطؤ ليس مجرد صراع سياسي معقد، بل نتيجة مباشرة لإجراءات الاحتلال، الذي يواصل فرض قيود صارمة على المعابر وشن عمليات عسكرية محدودة، مستغلاً الجمود لكسب الوقت وفرض وقائع جديدة على الأرض.
ويشير هؤلاء في أحاديث منفصلة مع صحيفة "الاستقلال" إلى أن الأولويات الإسرائيلية تتأثر بالملفات الإقليمية الكبرى، مثل الحرب على إيران، ما يجعل أزمة غزة مؤجلة نسبيًا في جدول أعمال "تل أبيب"، بينما يدفع الفلسطينيون ثمن الجمود السياسي المستمر، مع خطر متزايد لانفجار التوتر إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق سريع وفعال.
ودخل اتفاق وقف إطلاق النار في غزة حيز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025، بعد توقيع صفقة بين الاحتلال الإسرائيلي والمقاومة الفلسطينية أنهت حربًا امتدت لسنتين، وشملت شروطها انسحابًا جزئيًا للقوات، ورفعًا محدودًا للحصار، وتسهيل دخول المساعدات الإنسانية.
ومنذ ذلك الحين، تماطل "إسرائيل" في تنفيذ بنود الاتفاق الإنساني، حيث استمرت في فرض قيود على دخول السلع الأساسية والمساعدات، بما في ذلك الوقود والأدوية والمواد الغذائية، ومنعت دخول الخيام بالكميات الكافية لإيواء العائلات المتضررة.
وأشارت تقارير محلية ودولية إلى محدودية الشاحنات التي سمح بدخولها مقارنة بما نص عليه الاتفاق، وتحجيم دخول المعدات الثقيلة والمستلزمات الطبية، في انتهاك واضح للبنود الإنسانية.
تسويف سياسي
اعتبر الكاتب والمحلل السياسي د. سعيد أبو رحمة أن حالة التباطؤ التي تشهدها المحادثات حول قطاع غزة ليست مجرد تعثر تقني، بل تعكس صراعًا عميقًا حول مستقبل القطاع وحق الفلسطينيين في إدارة شؤونهم.
وأوضح د. أبو رحمة خلال حديثه مع "الاستقلال" أن المفاوضات الحالية، التي تتناول انسحاب قوات الاحتلال وترتيبات إدارة القطاع بعد الحرب، تواجه تعقيدات كبرى بسبب اختلاف الرؤى بين الطرفين. فحركة حماس تطالب بوقف دائم للنار وانسحاب كامل من القطاع، بينما ترفض "إسرائيل" أي التزام دائم وترتبط أي تسوية مستقبلية بشروط تقليص قدرات الحركة العسكرية، ما يجعل أي تقدم محدودًا.
وحذر من أن "إسرائيل" تستغل حالة التباطؤ في المفاوضات لكسب الوقت وفرض وقائع جديدة على الأرض، من خلال استمرار القيود على المعابر وعمليات عسكرية محدودة، معتبرًا أن حكومة الاحتلال تفضل إدارة الأزمة دون الانتقال إلى حل سياسي فعلي.
وبخصوص زيارة وفد حركة حماس إلى القاهرة ولقاءاته مع المسؤولين المصريين والمبعوث الأممي نيكولاي ملادينوف، أوضح د. أبو رحمة أن الهدف منها هو تحريك المسار التفاوضي وإزالة العقبات التي تعرقل تنفيذ أي اتفاق محتمل.
وحذر المحلل من أن استمرار الجمود السياسي مع التوتر الميداني قد يؤدي إلى انفجار جديد في القطاع، خاصة مع استمرار الخروقات الإسرائيلية والأوضاع الإنسانية الصعبة، مؤكدًا أن أي تأخر في تنفيذ بنود الاتفاق يزيد من خطر انهيار الهدنة الحالية وتصاعد التوترات.
أجندة إسرائيلية
بدورها الكاتبة والمحللة السياسية د. رهام عودة ترى أن حالة التباطؤ والجمود في المحادثات بشأن قطاع غزة تعكس أولويات الاحتلال الإسرائيلي المشتتة بسبب انشغاله بمواجهة إيران، مؤكدة أن غزة لم تعد أولوية بالنسبة لإسرائيل في الوقت الراهن.
وقالت د. عودة لـ "الاستقلال"، إن الاحتلال يسعى لحماية جبهته الداخلية وصد الصواريخ الإيرانية، وهو ما يفسر تجميد ملف غزة مؤقتًا حتى بداية شهر أيار، موعد بدء حركة القوات الدولية في المنطقة الصفراء.
وأضافت أن الحديث الإسرائيلي عن نشر قوة استقرار دولية في غزة ليس سوى محاولة لفرض واقع جديد على الأرض، مشيرة إلى أن القضية الفلسطينية أصبحت مرتبطة بالأجندات الإقليمية الكبرى، ما يجعل الشعب الفلسطيني يدفع ثمن صراعات دولية لا علاقة له بها، مثل الحرب الدائرة حاليًا في إيران، وهو ما يؤخر الوصول إلى حلول إنسانية وسياسية عاجلة تنهي معاناة سكان قطاع غزة وتنقذ حياتهم من خطر الحروب والدمار.


التعليقات : 0